بالنسبة إلى مصطفى سامي، كان شراء منزل في القاهرة الجديدة يفترض أن يقوده إلى امتلاك وحدته خلال ثلاث سنوات. وقّع سامي عقده عام 2020 وفق جدول زمني واضح حدده المطور، وانتظم في سداد الأقساط حتى دفع نحو 4 ملايين جنيه، أي ما يعادل 80% من سعر الوحدة البالغ 5 ملايين جنيه.

 

لكن بعد مرور ثلاث سنوات على موعد التسليم المتفق عليه، توقفت أعمال البناء بالكامل عقب سنوات من التقدم البطيء، بينما واصل المطور مطالبته بسداد الأقساط الشهرية، وفق ما قاله سامي لـ«المنصة».

 

ولا يواجه سامي هذه الأزمة وحده، إذ يواجه مشترون في مناطق التوسع العمراني في أنحاء مصر واقعًا عقاريًا يترك أموالهم عالقة في مشروعات متعثرة، بينما يتحملون الجزء الأكبر من تداعيات الأزمات المالية التي تواجه شركات التطوير العقاري. ونشرت المنصة تفاصيل معاناة عدد من المشترين، الذين سددوا مبالغ ضخمة من قيمة وحداتهم، لكنهم لم يحصلوا عليها في المواعيد المتفق عليها.

 

وفي الشيخ زايد الجديدة، يواجه كريم حمدي مأزقًا مشابهًا بعدما تابع أعمال البناء وهي تتقدم ببطء على مدار أربع سنوات. وانقضى موعد التسليم المتفق عليه في يناير 2025 دون تقدم ملموس في موقع المشروع أو إجابات واضحة من الشركة المطورة.

 

وقال حمدي لـ«المنصة»: «مشكلتنا إننا دفعنا فلوسنا والتزمنا بالأقساط، لكن المشروع مش ماشي بالسرعة اللي اتوعدنا بيها». وأضاف أن المشترين يسمعون بين الحين والآخر عن موعد جديد للتسليم، دون أن يجدوا على أرض الواقع ما يوضح لهم متى سيحصلون على وحداتهم. وأشار إلى أن تحديد الشركة مدة إضافية قدرها عامان أو ثلاثة أعوام، على سبيل المثال، سيكون أفضل من استمرار حالة عدم اليقين.

 

أزمات قانونية ومشروعات متوقفة تلاحق المشترين

 

ولجأ محمود سمير، أحد المشترين في المشروع نفسه بالشيخ زايد الجديدة، إلى القضاء بعدما أخفق في الوصول إلى حل يحفظ حقوقه. ورغم أن الشركة سلّمت مراحل سابقة في مواعيدها، من بينها وحدة اشتراها شقيق سمير في المرحلة الأولى، لا تزال وحدته في المرحلة الرابعة متأخرة ثلاث سنوات، رغم انتظامه في سداد الأقساط طوال هذه الفترة.

 

وتسير الإجراءات القانونية التي لجأ إليها سمير ببطء شديد، ما يزيد أعباء المشترين الذين دفعوا الجزء الأكبر من قيمة وحداتهم دون الحصول عليها.

 

وتعود جذور أزمة تعثر مشروعات الإسكان إلى سنوات من الضغوط الاقتصادية الكلية وتغير السياسات الحكومية، التي انعكست بصورة مباشرة على شركات التطوير العقاري وتكاليف البناء.

 

وفي عام 2021، أصدر رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي توجيهات لتنظيم بيع الوحدات على الخريطة، بحيث يلتزم المطور بإنجاز 30% من أعمال المشروع قبل طرح الوحدات للبيع، بهدف إثبات قدرته على التنفيذ وجدية المشروع.

 

لكن الضغوط المالية على شركات التطوير تصاعدت بصورة سريعة. وبحلول نوفمبر 2023، واجه نحو 130 شركة من أصل 400 شركة عقارية تعمل في العاصمة الإدارية الجديدة ضائقة مالية شديدة، مع ارتفاع تكاليف تنفيذ المشروعات.

 

وتلقى القطاع ضربة أشد بعد أن فقد الجنيه المصري أكثر من 60% من قيمته عقب تحرير سعر الصرف في مارس 2024، ما دفع أسعار مواد البناء وتكاليف الإنشاء إلى الارتفاع الحاد.

 

وبحلول أوائل عام 2025، امتدت الأزمة إلى خلافات تشغيلية بين المطورين وشركات المقاولات. وطالب المقاولون بزيادة قيمة العقود لتعويض الارتفاعات المتراكمة في التضخم وأسعار الفائدة وسعر الدولار الرسمي، ما أدى بدوره إلى إبطاء وتيرة العمل في العديد من مواقع الإنشاء.

 

المطورون في مواجهة المشترين.. من يتحمل تكلفة الأزمة؟

 

يرى المطورون أن الصدمات الاقتصادية الخارجية جعلت النماذج المالية الأصلية للمشروعات غير قابلة للاستمرار. وقال عضو بمجلس إدارة غرفة التطوير العقاري، طلب عدم الكشف عن هويته، لـ«المنصة»، إن قرارات الدولة المتعلقة بالاقتصاد الكلي شكلت عاملًا رئيسيًا في اضطراب السوق.

 

وأوضح المصدر أن المطور يضع دراسة جدوى اعتمادًا على تكلفة بناء محددة، ثم يواجه بعد توقيع العقود مع العملاء قرارات حكومية تؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار مواد البناء، فتتراجع الأرباح وقد تتحول المشروعات إلى خسائر.

 

لكن خبراء القطاع يشددون على ضرورة التمييز بين التعثر المالي المؤقت والفشل طويل الأمد للمشروع. وقال فتح الله فوزي، نائب رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين ورئيس لجنة التطوير العقاري بالجمعية، إن تقلبات التكاليف أو التصميمات أو التصاريح أو توصيل المرافق قد تؤثر في سرعة تنفيذ المشروعات.

 

وأضاف فوزي لـ«المنصة» أن استمرار التباطؤ لفترات طويلة دون وجود قدرة واضحة على استعادة وتيرة البناء يثير تساؤلات حول قدرة المطور على استكمال المشروع، وكيفية تعامل الجهات التنظيمية معه لحماية حقوق المستثمرين.

 

ودعا فوزي إلى تقييم أداء الشركات عبر مقارنة معدلات التنفيذ الفعلية بالجداول الزمنية، إلى جانب حجم المبيعات والتحصيلات والالتزامات المالية وقدرة الشركة على توفير التمويل اللازم لاستكمال الأعمال. ومن شأن هذه التقييمات تحديد ما إذا كان المشروع يحتاج إلى إعادة هيكلة مالية، أو دخول شريك جديد، أو تدخل تنظيمي مباشر.

 

ويرى خبراء ونشطاء أن حماية أموال المشترين تتطلب إصلاحات هيكلية في سوق التطوير العقاري، قبل وصول المشروعات إلى مرحلة التوقف الكامل.

 

واقترح عضو مجلس إدارة غرفة التطوير العقاري إلزام الشركات بفتح حسابات ضمان تودع فيها أموال المشترين، على أن تُصرف الأموال من هذه الحسابات وفق مراحل البناء التي يجري التحقق من إنجازها. ويضمن هذا النظام توجيه أموال العملاء إلى الوحدات التي اشتروها بدلًا من استخدامها في مشروعات أخرى.

 

واقترح فوزي أيضًا تطبيق نظام تصنيف متدرج لشركات التطوير، يحدد حجم وعدد المشروعات التي يمكن لكل شركة إطلاقها وفق سجلها الفني وقدرتها المالية. وأوضح أن المطور الذي يمتلك خبرة محدودة وقدرات مالية محدودة لا ينبغي بالضرورة أن يُسمح له بإطلاق عشرات المشروعات الضخمة وجمع مليارات الجنيهات من العملاء، مشددًا على ضرورة ربط السماح بالبيع بقدرة الشركة الفعلية على التنفيذ.

 

كما دعا العاملون في القطاع إلى تفعيل آليات قانونية وإدارية تتيح حل شكاوى المشترين بصورة أسرع، من بينها إعادة تفعيل السجل القومي للمطورين وإنشاء محاكم عقارية متخصصة. ومن شأن هذه الخطوات تسريع الفصل في النزاعات المتعلقة بتأخر التسليم وإلغاء العقود والتعويضات، بدلًا من ترك المشترين الذين سددوا معظم قيمة وحداتهم عالقين لسنوات في إجراءات التقاضي التقليدية.

 

تدخل حكومي لمراجعة المشروعات ومحاسبة المتعثرين

 

بلغت الأزمة ذروتها مع تدخل تنفيذي مباشر، بعدما أصدر السيسي توجيهات، الاثنين، بإجراء مراجعة شاملة لمشروعات التطوير العقاري في أنحاء الجمهورية، وتشكيل لجنة متخصصة لفحص أعمال البناء، وضمان تنفيذ عقود المشترين، ومحاسبة الشركات غير الملتزمة.

 

وقال مصدر بوزارة الإسكان لـ«المنصة»، طلب عدم الكشف عن هويته، إن الوزارة تعد حصرًا شاملًا للمشروعات الجاري تنفيذها في مختلف المحافظات استنادًا إلى الموافقات الصادرة عن الجهات المحلية.

 

وتضم الأسماء المقترحة لتمثيل الوزارة في اللجنة وزيرة الإسكان رندا المنشاوي، ونائب رئيس هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة وليد عباس، ورئيس شركة العاصمة الإدارية الجديدة خالد عباس.

 

وستمتلك اللجنة صلاحية منح المطورين المتعثرين، الذين يواجهون ظروفًا استثنائية، تمديدات نهائية لاستكمال المشروعات، إلى جانب وضع أطر قانونية واضحة لضمان التزام الشركات بعقود المشترين.

 

وفي المقابل، قد تصل الإجراءات إلى سحب الأراضي من المطورين الذين يفشلون في الوفاء بالتزاماتهم.

 

وتكشف أزمة العقارات في مصر عن فجوة متزايدة بين وعود المطورين وقدرتهم الفعلية على التنفيذ، في وقت يتحمل فيه المشترون تبعات ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة العملة وتكاليف التمويل وتعثر الشركات. وبينما تواجه شركات التطوير ضغوطًا مالية حقيقية، يظل المشترون الطرف الأكثر تعرضًا للخطر، بعدما دفع كثير منهم ملايين الجنيهات مقابل وحدات لم يروا اكتمالها رغم مرور سنوات على مواعيد التسليم.

 

ويبدو أن معالجة الأزمة لن تتوقف عند إنقاذ المشروعات المتعثرة، بل ستحتاج إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمطور والمشتري، بحيث ترتبط عمليات البيع بقدرة الشركات الفعلية على البناء، وتُحجز أموال المشترين داخل حسابات مخصصة للمشروعات، وتتوفر آليات سريعة لاسترداد الحقوق عند الإخلال بالعقود.

 

فالمشكلة لم تعد مجرد تأخر في تسليم وحدة سكنية، وإنما تحولت إلى أزمة ثقة في سوق العقارات المصري، يدفع ثمنها مشترون وجدوا أنفسهم بين أقساط مستمرة، ومشروعات متوقفة، ومواعيد تسليم مؤجلة، ومسارات قانونية قد تستغرق سنوات.

 

https://almanassa.com/en/news/33412